الخميس، 25 يونيو، 2009

امبارح


ملحوظة : البوست شخصي .. وطويل .. و بس
****
امبارح ... كان يوم مميز .. محكيتوش لحد ، و خفت تضيع تفاصيله مني و أنساه .. و أنا حابة أوي أفتكر تفاصليه و إحساسه ، حتى لو مش حد هيفكرني بيه أو هتشترك ذاكرته معايا في حمله ، فالمكان هنا أثبت لي مرارا أنه صديق طيب ، وفي و مخلص .

*****
أمس كان اليوم الأخير لكورس استمر أيام قليلة ، قبل أن أخرج من البيت كنت عازمة على أن أكتب عن اليوم ، و لم يكن عندها يدور بذهني ، أنه سيعني لي الكثير ، و أنه سيخالف بتميزه توقعاتي لرمادية الأيام ، و يكسر في صدقه السرعة الكاذبة التي تمر بها الأيام و الأسابيع في الفترة الأخيرة ، ما جعلني أقرر الكتابة عنه هو أني استيقظت قبل موعدي ( السابعة و النصف ) -الذي أستيقظ فيه عادة بصعوبة جدا - مرتين ، في السادسة مرة و في السابعة إلا ربع مرة ، قلقت مرتين في نومي لأنظر للساعة لأتيقن أن الوقت لم يفتني لأقوم .... لألبس الطقم الجديد .

فرحت بقلقي حد الطيران ، و ابتهجت من قلق اللهفة هذا بهجة طفلة في الثامنة ، كنت أشكو هذه اللهفة التي صارت تخاصمني ، اللهفة التي تجعل النوم يجافي عيوننا في ليالي العيد ، لشوقنا للبس الجديد ، و التوق الذي يجعلنا نتقلب في الفراش بالساعات في الليلة التي تسبق رحلة أو مصيف أو اجتماع عائلي ، نبضات القلب المرتفعة و سرعة الإيقاع و الحركة و عد الأيام في انتظار وصول أحدهم من السفر ، أو يوم الملاهي ، أو حفل زفاف سنلبس فيه الفستان الواسع و الشراب ( أبو الدانتيلا ) و الجزمة (الفيرنيه) .

قلقي من النوم هو أكثر ما جعلني أشعر أني بالتأكيد فرحانة باللبس الجديد ، حين وصلت للموقف الجديد كنت قد استطعت تقييم (الطقم الجديد ) كما بدا لي في نظرات الآخرين ، و أتاني شعور حسبت أنه هجرني بأني مميزة جدا .. بشكل و طريقة ما ، لا بد أن أحدا في وقت ما سيدركهم مثلي .

بعكس كل المرات التي يقبض فيها قلبي و أنا على أبواب كلية الزراعة و حتى أصل لللاب الذي نتدرب فيه ، كنت أشعر بارتياح لكونها المرة الأخيرة التي أضطر فيها للقدوم ، بدا لي موقفي من المكان محدد سلفا منذ أخبروني أننا سنأخذ الكورس هناك ، اندهاشي و استنكاري لعدم وجود علاقة له بموضوع الكورس على الإطلاق و بعده عن الجامعة حيث اعتدت الأماكن و التفاصيل و حيث أشعر بانتماء كبير و حميمية مع الأفراد و الأبنية ، كما لو كنت قررت أن يضايقني المكان ، و قد كان ، برغم اتساع حدائقه و نظافة ممراته و أبنيته التي بدت عليها تطويرات و تشطيبات حديثة عالية التكلفة . بعيدا عن الساحات كنت أشعر أن اللاب يحتويني لأبعد الحدود فأكاد لا أخرج منه إلا مضطرة .
لا أعرف لماذا يزيد شعورنا بدفء الأماكن و الآخرين كلما اقترب فراقنا لهم ، لم تكن مجموعتي مميزة أو قريبة مني للدرجة ، و لكني شعرت معها بدفء أفتقده منذ سنة على الأقل ، سؤالهم عن غياب اليوم السابق ، تلويحاتهم لي من بداية الممر ، حرارة السلام ، و دعابات الإفطار ، و اتفاقات الخروج كلها على بساطتها أشعرتني بوجود مختلف لي ، وجود على الرغم من توسط حيويته ، عنى لي الكثير .... أعرف أن ما كان يميز إحساسي وقتها ، هو نفسه ما جعل اليوم مميز لي ، الصدق .

فرحت بنجاحي في الفوز بعلاقة مختلفة جدا ، رائعة جدا مع أستاذي ، الذي أصر قبل أن ينصرف على أن نتبادل الإيميلات و أن أسجل كل أرقام هواتفه عسى أن أحتاج لمساعدته في رسالتي ، أحببت احترام أحدنا للآخر على اختلاف توجهاتنا تماااااماااا ، و أحببت إصراره على الدفاع عني أمام العامل الذي ضايقني عندما قال له " دي بنتي ملكش دعوة بيها .. كلمني انا " ، و أحببت تواضعه الجم و غفرانه لبجاحة أسئلتي عما يعنيه له توجهه اليساري ، و إصراري منذ اللحظة الأولى كما لاحظ أن لا أكتفي له بالإيماء و الموافقة ، أبهرني - وهو ما لم يحدث من زمن - حبه للحياة في تلقائية و بساطة ، اهتمامته في تنوعها و حرصه في المدوامة عليها و الحديث عنها على غرابتها ، كلها أشياء أشعرتني أن ثمة رسالة مبعوثة إلي عبره - و أنا فقدت حساسية استقبال الرسائل من زمن - مضمونها أن ما نحتاجه للسعادة حقا ، أبسط كثيرا من تطلعاتنا التي نرهقها بالتعقديات و الاشتراطات و القيود و زوائد اللغة مثل لو ، ليت ، لا فائدة ، لابد ، بشرط .....

غيرنا خططنا في منتصف اليوم فبعد أن كان اتفاقنا أن تخرج المجموعة كاملة ، انفصلت أنا و ليلى و نسمة عنهم بعد إصرارهم أن تكون الخروجة مركب في النيل ( الساعة اتنين الضهر ) ، و أكلة كشري على قهوة بلدي في التحرير ( من بتاعت الشيشة و الطاولة و الدومينو و الكراسي الخشب و الرجالة ) ، لم تكن لدي رغبة في الاحتراق بالشمس و لا الغرق في العرق ، و لم أكن أنوي بأي حال ... الجلوس على قهوة بلدي أرى أنها مكان رجولي بكل معنى للكلمة !، و لم أندم على قراري لأن الخطط المغايرة أمتعتني جدا . فعلاقتي بليلى و نسمة على سطحيتها - مقارنة بأصدقائي - تحمل كما مهولا من الصدق و الاحتواء و التحمل و التقبل ، لا واحدة منا تحمل توقعات من الأخرى أو ترغمها على تفكير أو قول أو تصرف بطريقة معينة أيا كانت ، لسنا مضطرين لأن نتحدث عن أنفسنا أو نحكي عن مشكلاتنا و همومنا الشخصية ، فنحن نجنح بشكل تلقائي لكل ما هو مشترك بيننا ، و على الرغم من أن أحدنا لا تهتم بالسؤال على الأخريات في فترات الغياب ، بل أن أرقام التيفونات قد تضيع في كل مرة و لا نبالي ، إلا أننا متى التقينا في كورس أو عمل أو دراسة نجد في اجتماعنا متعة قغير مقيدة و حرية و تلقائية غير مشروطة و لا محسوبة ... و هو ما أحسبه عظيم فيما بيننا .

ضيعنا أكثر من ساعة من الرغي في أماكننا قبل أن نحسم قرارنا بدخول السينما ، و كنا قد فوتنا بالطبع حفلة الواحدة ، بين قطعنا للتذاكر و انتظارنا لموعد الفيلم ، قضينا أكثر من ساعتين من أنقى و أبسط ما قضيت في حياتي ، ضحكنا ، كم الصور الرهيب الذي التقطناه ، رحلتنا الممتدة لحوالي ساعة في سوبر ماركت مترو من أول مكتبته الصغيرة التي فررنا كتبها واحد واحد ، ثم الوقوف عند كل رفوف الشوكولاتة في محاولات من نسمة و ليلي لإبعادي عنها احتراما للنظام الغذائي الذي تتبعانه و أفسده لهما ، نخرج بعدها بـ 3 كانز ، و كيس مارشميللو بـ 10 جنيه ( يجب التنويه عنه ) بعد أن استنفذت مجهودا خرافيا في إقناعهم ببساطة سعراته الحرارية ... كل هذا بعد أن اكتشفت لدى خروجنا من كلية زراعة أن كل ما أحمله في محفظتي ... 30 جنيه ، لا بد أن تكفي لعودتي للفيوم (لمن لا يعرف 9 جنيه أجرة الميكروباص و حسبي الله و نعم الوكيل ) ، و السنيما ، حاجة حلوة ...

لم أحب فيلم إبراهيم الأبيض ، و كدت أقسم لدى خروجي منه على أن أقف على شباك التذاكر أنصح كل من يقطع له تذكرة بأن يستبدلها بأي فيلم آخر حتى لو كان ( عمر و سلمى ... و رزقه على الله بقى ) ، و لكني أحببت الصور التي التقطناها قبل دخول السينما و داخلها ، إصرارهم على تصويري بنضارة الشمس رغم إصراري على كرهها ، و عندهم معي و قسم ليلي التي اشترت لي وردة حمراء قبل دخول الفيلم لأنها ستتماشى مع درجة من درجات لون طرحتي على أن تهدني في المرة القادمة نظارة شمس ، تحررنا في التصوير لتطلع الصورة (أنا ) و ليس تمثالي ، أحببت الصور على الرغم من أنها لم تكن أبدع ما التقط لي ، و لكنها كانت تشبه روح اليوم ، و روحي ، تشبه سني الذي استمر شعوري بأني أحبه جدا و أصالحه ، و أنه يوافقني بدرجة كبيرة ، بعكس حالي السنة الماضية عندما كنت أهرب منه للعام الذي يسبقه ، بل لستة أو سبعة أعوام سابقة اذا استبدت الفكرة بي .. و لا أبالي .

بعد الفيلم تمشينا قليلا و غادروني في مواصلاتهم لأنتظر ميكروباص للفيوم في شارع الهرم ، كدت أفقد الأمل به و أبدأ في حساب قدرة ماتبقى معي من مال على نقلي لمكان آخر حينما مر ميكروباص تطل من شباكه صغيرة لم تتجاوز السادسة تنادي بصوت رقيق لا يتجاوزها ( فيوم فيوم فيوم ) فهمتها من حركة شفاها و من التقاطي للوحات الميكروباص و ظللت أومئ لها برأسي و ظلت تنظر لي باندهاش و فقدت الأمل بأنها ستصدق أني لا أعاكسها ، أو أنها ستستطيع إخبار السائق في الوقت المناسب ، على بعد 200 متر .. لا بأس . لم أفكر و أن أصعد أن أمسك وجهها الرقيق و أقبلها و أقول لها ( إنتي جميييييلة و عظيمة كمان ) ليس فقط لدهشتي و إعجابي بها ، بل لفرحتي أني وجدت ما أركب أخيرا ، و لأنها أخبرتني و أنا أصل أن الأجرة 6 جنيه ، و هو ما يعني عودتي للبيت بتاكسي و تبقي 2 جنيه كاملين معي . أما صلاح أخوها الأصغر فكان يشبهها في وجه ملائكي أبيض و ملامح جميلة أشبه للبنات ، بعد أن امتلأ الميكروباص عرضت على أمه أن أجلسه على رجلي ، و رحب هو بعد أن تبادلنا قبلها الكثير من النظرات و الابتسامات و الدعابات ، بعد دقائق بسيطة كان يمسك يدي التي كنت أضعها على وسطه ليقول لي ( خالتو صوابيعك فيها حاجة مش نضيفة ) ، فكتمت ضحكتي و فرحتي لئلا يخجل مني و قلت له ( يا خبر .. ازاي حد تكون صوابيعه مش نضيفة كده ) و أخذت أفركها فقال لي ( اغسليها ) فقلت له ( لما أروح.. هجيب ميه منين هنا ) فقال لي ( ماما عندها في الشنطة الزرقا ازازة ميا كبيرة اشتريناها من السوبر ماركت اللي تحت عمتو ) ، فضحكت و قبل أن أتكلم كان يصرخ بأمه أن تعطيه الماء و فعلت ظنا منها أنه سيشرب و أعطاني الزجاجة لأغسل يدي ، نام بعدها صلاح حتى وصلنا للفيوم و قبل أن ينزل سألني ( خالتو انتي اسمك ايه ؟ ) ، فضحكت منه أمه و شدته في نطرة عاتبة ( انت زهقت خالتو ) ... لو يعلم صلاح و أخته و أمهما ما أضفوه على يومي !!

أما الطقم الجديد .... فمدينة له أنا بفرحة أول النهار و اللهفة، و بثقة اليوم و شعوري المميز بي، و بحبي لسني ، و بإحساسي أني به تحررت من قيود حصن طفولي آمن أتشبث به كلما دب إلى قلبي شئ من الخوف مما يلي .....
على ناصية الشارع لا أدري كيف أتاني هاجسا أني سأجد زوزي تتصل بي بمجرد أن أغير ملابسي لتسألني " كنتي فين لحد دلوقتي يا هانم " ، لأخبرها قبل كل شئ " أنه كان يوم حلو اووووووووووووووي " ، ثم لا تجد هي في تفاصيله شيئا مبهرا أو مدهشا يستحق كل حماستي و لكن تقول لي ، " صوتك فرحانة ... " .

في آخر الليل جلسة في الهواء مع طبق بطاطس محمرة كبير و فيروز تغني " اديش كان في ناس .. " و أنا أدندن معها ....و أشعر حينها أن الله لم يعط أحدا مثل ما أعطاني ، و لم يمن على أحد منته علي ، و أني لا بنقصني شئ .. أي شئ . و أنه لولا نسياني أن أشتري كيس عسلية بالسمسم تهفو إليها نفسي منذ أسابيع ... لكنت ملكت الأرض و ما عليها .

و قبل دقائق من نومي أقرأ ما كتبته الجميلة غادة ، و في اللحظات القصيرة الفارقة بين النوم و اليقظة أدرك أني لم أحك شيئا من هذا اليوم لأحد .. أي أحد ، فلا أجد في نفسي من هذا ضيقا ، و أبتهج لشعوري بالونس معي .

*****
ملاحيظ مهمة 
الأولى : اليوم ده اللي هو الثلاثاء 23 يونيو ... بس مكنتش لحقت أكتب 
الثانية : كان عزيز علي قالب المدونة القديم اوي .. بس قل أصله و أدبه و بيغير على مزاجه الألوان و اتجاهات الكلام ، مكنتش ناوية أفرط فيه أبدا ، بس هو اللي باع ... نصيبنا كده بقى :)

الاثنين، 22 يونيو، 2009

مقايضات يونيو الرمادية


هامش **

أصبحت أشعر باغتراب عن هذه الصفحة البيضاء في الشهر الأخير ،أكتب هنا دائما لتنعكس صورتي في مرايا - تفتقدها أرضي - حتى و لو بين ثنايا قصص كاذبة، لازمتني بعض شهور فرحة الانتصار لحقيقتي التي لا أضطر لتزييفها هنا، ربما لا أحبها ( حقيقتي ) تماما ، بل أنها بعض مرات ... تستحق أن أخجل منها ،غير أنه الأقسى منهما ، هو أن أشعر أن بيني و بين أن أصدقني كل هذه الفجوة التي تؤذيني ... تؤذيني جدا .

*******
الحياة .. رجل رمادي (قليط) بياقات بيضاء طويلة ، يجلس على رصيف شارع مظلم به العديد من التقاطعات ، و القليل من الإنارة ، لا لحية له و لا أمارت للوقار ، لم تغرني التاء المربوطة في نهاية الحياة بتصورها أنثى ، ربما لتحيزي للأنثى ، و اعتباري أن الحياة بالذات في رماديها ... ليست بأي شكل أنثى.


أحاول تذكر مقايضاتي الأولى مع الرجل الرمادي ، فتأبى علي ذاكرتي طَول البدايات كما العادة ، فقط أذكر قبل سنوات طويلة لم أكن أملك فيها سوى طاقة للحلم لا حدود لها رغبة في أن يكون لي حلم كبير ( يتجاوزني) ، و أني مُنحته في مقايضة مقابل فقد الكثير جدا من الأحلام الصغيرة ( من ذات التفاصيل الكثييييييرة ) ، و أني لم أدرك وقتها الفقد -الذي أدركه الآن- بقدر ما أدركت الفوز .
طلبت منه أن يمنحني كثير من الثقة بالنفس ، و شعورا بالنجاح ، و رغبة في الحياة ، فكانت لي في وقت لم أنتبه فيه لأن هناك ما يدخره لي ، فقد أدخر لي في هذه المقايضة صدمتان ، الأولى أن " دوام الحال .. محال "، و الثانية " أنه انتي لسه مشفتيش حاجة يا شاطرة .. " ، و أضاف إلي في ذات المقايضة قدرا كبيرا من السذاجة و قصر النظر ربما .
لم أتهم عندئذ الرجل الرمادي و كان ما شعرت به أنه ثمة غدرا استمر نصله في ظهري دون أن أدري منذ 21 سنة .
و كمحاولة للتخلص من جروح النصل في ظهري و من الصدمتين قايضت ، حلمي الكبير ، بأحلام كثيرة صغيرة ، ليس فقط لأني كنت أحتاج أحلامي الصغيرة و لكن لمكان شاغر للحلم.. و آه ثم آه ثم آه من مكان شاغر للحلم ...
أحلام عذبة صغيرة لتفاصيلها روائح و ألوان خاصة جدا دافئة جدا عذبة جدا ... أفقد مقابلها النوم السريع و أحلام النوم مستبدلة بأحلام اليقظة و أفقد كثير من قدرتي على الإنصات و الابتسام و الاحتمال .
نمت وقتها بداخلي غيري ، أو للدقة نميت أنا بداخلي ، و استطونت غيري (أخراي ) خارجي ، حتى ضقت بها فقايضت ، أن تصبح المحبوسة داخلي حرة مقابل خسارة بعض الأحلام ، و بعض الأصدقاء ، و أخسر بكاء الليل اللامبرر، و رعشة في آيات سورة السجدة ، و قدر كبير من التحفظ و العدوانية .
ثم قايضت مرة أخرى في 2008 عندما استبدلت من الرمادي ضحكة صفراء تكرهها أمرأة عمي ، و تستفز أختي بصمت أو نصف ابتسامة أو علامات تعجب ، و قايضت مرة أخري عندما تمنيت لرمانة صدري تلك التي لها لون القلب ، وشكله من ينقرها ، فخسرت إزاء ذلك احترامي لحسن تقديري و كثير من ثقتي و اعتدادي بنفسي و أن رمانتي صارت حبات و لو قليلات منها .. مفروطة ، و معها خسرت صوت ضحكة عالية ، و شهية للأكل و معدة مطاطية ، و اضطرابات هضم ، و سبعة كيلوجرامات ، و قدرة على السخرية و حس للفكاهة .
ثم لم أمل من مقايضة الرمادي فساومته على أن يأخذ مني كثير من القلق و كثير من الأرق ، و لعنات الزهير ، على أن أتخلي في المقابل عن اللون الروز من دولابي ، وعن الخاتم الفضة ذو القلبين ، و العقد اللؤلؤ الذي أدخرته لرقبتي في يوم كنت أنتظره ، فلم يأبى علي و وافقني . و فوق ذلك أخذ مني آلام ضلع صدري المجنون و نصف عضة على شفتي السفلى ، مانحا إياي كثير من الورق ... بلا أقلام.
و قايضت مجددا سوادا عندي بشئ من الأمل و بعض الهدوء و ذهن خال و تحرر كامل من أي شئ و كل شئ .
ملخص المقايضات
اللي خدته و رجعته :
الأحلام الكبيرة و الأحلام الصغيرة - الثقة بالنفس - رغبة في الحياة- شعور بالنجاح -الصدمتين -تفاصيل الأحلام

اللي خدته و بقي :
أن تصبح المحبوسة بداخلي حرة - الصمت - أنصاف الابتسامات - علامات التعجب - عودة شهيتي - ذهن خالي و كثير من الهدوء و الرضا و المصالحة و التحرر حتى من الحلم - كثير من الورق -

اللي خسرته و مرجعش :
قدرة على الإنصات - الابتسام - الاحتمال - بكاء اليل اللامبرر - رعشة آيات سورة السجدة ، الكثير من التحفظ و العدوانية
- حبات مفروطة من رمانتي -شهية للأكل - معدة مطاطية - 7 كيلو - القدرة على السخرية - القلق - آلام الضلع المجنون - اللعنات-السوداوية - اللون الروز من الدولاب و الخاتم الفضة و العقد اللؤلؤ .

لا طاقة بي هذه الأيام لحساب مقدار الخسائر أو المكاسب ، غير أن الوضع الراهن ... هو أني أجلس بجوار الرجل الرمادي على رصيفه ، و لا أبصر أمامي طرق ، و لا قاطعات ، و لا إنارة ،و أشعر أن علي النهوض ، و أن الخطوة التالية .. لابد أن تكون البحث عن أقلام ترسم .. تخط .. تكتب الأحلام بطاقتها التي لم تتبدل عن عهدها الأول .. قبل أن يسيطر الرمادي على المكان فيحيله عذابا يشهد الله أني لا أطيقه.. و أصبح بعدها بقليل .. فتاة رمادية أخرى.
المقايضات عندي ترتبط بيونيو .. فقد غير حياتي مرتين .. الأولي قبل سبع سنوات ، و الثانية قبل سنة واحدة ، يوشك على الإنتهاء ... و لا يبدو في الأفق .. سوى المنطقة الرمادية.

ملحوظة هامة :
أنا بشكل حقيقي جدا لا أشعر بالسخط على حياتي أو الضجر منها أو الاكتئاب، بالعكس أنا أعيش في مساحة واسعة جدا من الرضا ، و السلام ، أخشى أنها في الحقيقة منطقة رمادية ، و أنا أكتشف مؤخرا أن الحياد ليس موقفا ، و أنه لا يناسبني أبداااا ، الحسابات السابقة أقرب لمستوى الفانتازي ، و لولا رضا عنها لما بت في سلام ، فبداخل يقين أني رغم كل شي ، لدي الكثير جدا من المكاسب ، إن كان أولها الخبرة فإن آخرها ليس أني لن أخسر ما خسرته من قبل مرتين ...
عشان زي ما بيقولوا ... " محدش بياكلها بالساهل :)) "
********
البوست إهداء لمهجة ... صباح الغموض
:)

الاثنين، 8 يونيو، 2009

جيران الهنــا



مفتتح / أسرة صغيرة انتقلت مؤخرا لشقة إيجار جديد في بناية سكنية .. تتعالى أصواتهم المزعجة _ للجيران _ ليل نهار .. لا أحد يعلم السبب أو يهتم بالتنقيب عنه ، فقط يتذمر الجيران دون محاولة للاستفهام أو التقرب .

هذه محاولة لرسم صورة متخيلة .. بتفاصيل ليست بادية للعيان .

______________

في الثامنة تستيقظ الصغيرة على صوت حركة في الغرفة ، تنتبه ، و تنهض مفزوعة خشية أن يكون عبد الرحمن يعبث بالشوكولاتة على فستان عيد ميلادها ، كما هددها أمس عندما كسرت ألوانه الخشبية في شجارهم ، هي تعلق الفستان على شماعته أمام عينيها منذ أسبوع ، و تعد الأيام الباقية على يوم ميلادها المنشود ، و تنتظر بشغف أن يكون لها حظا وافرا من الهدايا كما العام الماضي قبل أن ينتقلوا لهذا البيت الجديد الغريب. تطمئن لأنه لا أحد بجوار الفستان ، و يبدأ النوم من جديد في مداعبة عيونها الرقيقة عندما تسمع صوت غلق باب الشقة يدوي و يعلو صداه ، فتهرع من فراشها خارج غرفتها ، حيث تجد عبد الرحمن قد سبقها إلى بداية ( الطرقة ) بين غرف النوم و الصالة ، فتستند إلى ذراعه الصغير و تخبئ نصف وجهها بحيث ترى بالكاد وجه أمها في الصالة مشوبا بالغيظ و الحنق و الارتباك ، يرجع عبد الرحمن خطوتين للوراء ممسكا بيدها ليتأكدوا من اختفائهم ، و يراقبا في صمت أمهما تدفن وجهها بين كفيها و تزفر في مرار.

يحاول عبد الرحمن الرجوع مرة أخرى بضع خطوات للوراء ، فيتعثر في قدمها الصغيرة ، فتصرخ ، و يقع هو على الأرض ، و تقع فوقه ، فيصرخ من جديد " بطناااااااااااااااااااااي يا غبية " ، تلحق بهما أمهما لتمسكها من ذراعها فترفعها عنه و تقول له " قوم يا غلباوي .. طالع لابوك " فيرد صارخا بنصف انحناءة على بطنه " هي اللي شنكلتني و وقعت علي ... و ..." ، يبدأ الصغار تبادل النظرات النارية ، التي تشي ببداية حريق جديد فتمسك رأسيهما و تضمهما لها و هي تقول " مش ع الصبح بقى ..... " ، ينظر كل منهما للآخر في ريبة بلسان حال " هوررررررريلك ... "

رغم كونها البنت إلى أن شقاوته تستفزها ليعلو صوتها عليه ، و لتكيل له بحيل أكثر منه براعة و قوة ، في محاولة لبناء حصن و لو زائف ضد يده الثقيل بطشها ، حياتهما سلسلة من الانتقامات و الكيد الطفولي المبهج لهما ، المزعج لأمهما ، القاتل الملعون للجيران في الأغلب .


في وقت متأخر من الليل على بسطة السلم يدور هو بالعجلة و يدور و يدور ، مستعرضا مهارته معتدا بنفسه ، و هي تصرخ به " خلص بقى ده دوووووري " ، فيدور من جديد غير عابئا بها و هو يقول " انتي مش بتعرفي تلفي لفتين على بعض اصلا " ، فتمتلأ غيظا ، و تزل قدمه من على البدال فيسقط و نصفه تحت العجلة ، فتنفجر ضحكاتها حتى أنها تستند للحائط خشية أن تسقط من الضحك ، و تسكت لاحمرار وجهه الذي انطلق معه صوت صراخه بأنها السبب " قلت لك الف مرة متبصيليش و انا بلعب اصلا ... عينك زفتة يا زفتة " ، و يبدأ شجارهما بأظافرها تنشبها في ذراعه و هي تصيح بكل جسمها المترعش " انت أناني .. مش عايز حد يلعب غيرك "

تسمع أمهما الصراخ - كما كل الجيران - فتناديهما ، تضربهما في استعجال و تمنعهما من اللعب خارج الشقة و تعاود الجلوس في ملل أمام التلفزيون ، فيدخل قبلها البلكونة و تلحق به فيتحداها إن كانت تستطيع أن تركب سور البلكونة (حصان ) .. فلا ترد عليه .

يتسلق السور و يبدأ في رفع رجله اليسرى خارج السور ، و تهم بتقليده عندما يرى والده يغلق السيارة تحت المنزل فيصرخ " بابا جااااااااااااه بابا جه بابا جه " و يتسابقا للباب فيما تبقى أمهما على حالها على الكنبة أمام التلفاز ، يدخل الأب مبتسما فيمسح رأسيهما ، و يرمي مفاتيحه و ساعته و محفظته و علبة السجائر على المنضدة أمام التلفزيون و يسأل دون أن يلتفت لأي كان " ايه الأخبار ... ؟ " ، ينطلق صراخ الصغار من جديد ، فهي تجري و تصرخ خلفه لأنه أخذ حلوى سقطت من جيب والدهما و هو يخرج محفظته، يوقفهما صوت عالي .. يبدو أن شجار آخر بدأ للتو له أبطال غيرهما .. ينصتان في هدوء عبر باب البلكونة ، تصل أمهما إليهما قبل أن يفهما من الحوار شيئا ، " معاد النوووم ، يلا على سرايركم انتو الاتنين ... " ، تصحبهما للفراش و تطفئ النور في حزم .. " خليني اشوف حد منكم بره الاوضة بقى ... " .

ما أن ولت ظهرها حتى نهضا على أطراف أصابعهم إلى الباب يملأهما فضول و خوف من شجار يعلو صوته ، على الباب مرة أخرى تختبئ في ذراع أخيها و يتسمعا ، خطوات أمهما المقتربة في ال(الطرقة) تفزعهما ، فيحاولا الجري ، فينقلبا أرضا من جديد ، هذه المرة يسقط هو على ذراعها ، فتبكي بكاء صادقا ينحني عليها ، يضمها إلى صدره و يربت على ظهرها في حنو و هو يشير لها بأصابعه أن تهدأ من صوتها خشية أن تسمعهما أمهما فتطولهم ثورتها ، يمسك بيديها إلى فراشها ، و يغطيها بيد رقية الأنامل بعد لم تنل شيئا من خشونة الرجولة ، و يولي عنها إلى الباب ، تنام هي .. فيما يتابع هو أجواء الليلة المتكررة .. المشوبة بقلق و توتر لا زال أمامه بضع سنوات من الحيرة و المراقبة قبل أن يفهم أسبابهما .
____________



اقرأ عن " جيران الهنـــــا " من زاوية أخرى عند تسنيـــم

 

أوركــــيد أبيض Copyright © 2009 Flower Garden is Designed by Ipietoon for Tadpole's Notez Flower Image by Dapino