
أن تكون وحدك جدا
ضالا جدا
مقهورا جدا
مصاحبا / مصدقا للوهم .. جدا
ثم لا تتذمر أو تتضرر أو تمانع .. بالمرة !!
..
.
أنا هذه الأيام .
لوجـــه البـوح .. و لي فيها مآرب أخرى

موت و صف من الجثث على جانب الطريق ، و دماء .. الكثير من الدماء، و اسفلت لا لون له ..و بشر كثير يهرولون و يحوقلون و يستغفرون و يسألون الله الستر و اللطف و العافية .. و صراخ لا أعرف مصدره ... و غثيان .
***
طوال الشهر الماضي لم أجد الإجابة المقنعة لسؤال "مالك" ، أخبرته أن روحي تغيب في حفرة سوداء عميقة لا أدرك لها حدودا ، و أني أفقد طاقة المقاومة أو الرغبة فيها .. لا شئ أشعر به ليبقيني ، أبحث عن نور .. أو حقيقة .. أو نهاية ربما .. لم أكن أعرف.
أمس عرفت ..
اليوم الذي بدأ بكثير من الكذب ، و الذي كان يستطيع أن يمر بكثير من السلام لو أنني لم أعرف أن هذا الكذب..كذب ،ليذكرني بكم من المرات سألت الله عن حكمته في أن اعرف " الكذبة " ، و أنا أشكو له ألم هذا النور . اليوم الذي توالت سخافاته عليّ ،لتقضي ببطء و إتقان على ما استجمعته بمجهود شاق في الأيام القليلة السابقة من طاقة إيجابية .. و مصالحة مبدئية و مؤقتة مع النفس ، و مع الاختيارات.. و مع الآخرين أيضا بالضرورة .
الوقت الذي تخيلته الأبشع و الذي مر علي في المواصلات و أنا أحارب نفوري و كرهي و اشمئزازي و امتعاضي من أخرى / آخر لا ذنب له ، كان هو المسافة التي أمهد فيها لنفسي أن تعرف .. كم هي صغيرة و حقيرة .
لم أعتد – للأسف – أن أقف كثيرا عند سيرة الموت ، حتى تلك المرات التي حدثتني عنه صديقتي الـ تتوجس منه منذ فترة ، قابلتها بكثير من البرود و اللامبالاة . و حوادث الطرق أيضا .. لم أعتد – بكثير من البرود أو الكبر أو الغفلة .. لاأدري –أن أعيرها اهتمام يذكر ، أنا حتى لا ألتفت خلفي لأنظر ما حدث لمن و كيف ..
لا أعرف ماذا تحديدا جعل مشهد أمس لا يكتفي بالالتصاق برأسي ، بل يمتد إلى كل البقع السوداء داخلي فينيرها حد الاشتعال. هل كانت سيارات الاسعاف الكثيرة ، أم أصوات العويل و الصراخ و الحوقلة ، أم كانت الجثث التي رأيتها بعد لحظة مصفوفة على جانب الطريق و الرجال يهرولون لتغطيتها بأوراق الجرائد و الملايات ، أم كانت الدماء .. الدماء الغزيرة التي غطت الطريق لمسافة بعد مكان الحادث .. أم كان الذراع الأسمر.. الـ وجدته ملقى على جانب الطريق الآخر و أنا أصرف نظري عن صف الجثث.
هل كانت تدرك المرأة التي صرخت في أولادها قبل الخروج " دي عيشة تقصر العمر .. " ،أن العمر لا شئ يقصره ، و لا شئ يطوله أيضا، و هل تخيل الثلاثيني الأسمر و هو يأبي الابتسام لامرأته و هي تعتذر منه قبل خروجه " لـ يعاقبها " ، أنه لن يصالحها ؟ و هل تخيل العجوز قبل ركوبه الميكروباص أنه لن يموت بسبب كل هذه الأمراض التي يحمل عبأ تكاليف علاجها ..؟
و لماذا – و هو الأهم – مرت كل هذه الأسئلة و أكثر برأسي قبل أن أتخيل .. ماذا لو كنت معهم ؟
الإجابة الأولى الـ سبقت النور ، أطلقها كائن التهكم " لو كنت مكانهم لفاجئت ملك الموت ... لانه كان هيلاقيني ميتة ! " ، و لكن هذه الإجابة تلاها الكثير من الإجابات .. و تلاها الكثير من النور أيضا ..
أنا لست مكان أحد .. أنا هنا و اللآن .. و الموت حقيقة أخرى ، قريبة و أكيدة ... و ليست مفزعة .. بالعكس تماما . الأمر أكثر ارتباطا بوجودنا فيما و مع من يستحقنا بين الحقيقتين ، و بما نستحقه .. بعد الحقيقة الأخيرة.

ميدان الجيزة/ شارع الجامعة / بياعين الجرايد و الكتب و المجلات المستعملة على أسوار كلية الزراعة و حديقة الأورمان / بتاع الورد على سور الاورمان / كوبري الجامعة والاشارة المقفولة دايما قبله / عم يونس فراش المركز و الابتسامة الواسعة اللي بتونسني و تقول انه فاكرني رغم اني بغيب / محمود والنيسكافيه المضبوط جدا ف المج الأسود / الشجرة اللي مفيهاش غير وردة واحدة بمبي مزهقتش من كتر ما بنصورها ، و نتصور معاها / الشمس الطالعة من غير ما تلسع و نسمة الهوا الساقعة على استحياء / الجيبة السودا الادوار اللي بتخن و اخس و بتفضل مقاسي / عم حمادة و هو بيرتب الميكروباص عشان اقعد ف المكان اللي بحبه / فيروز ف رنة موبايلي / الموبيل اللي مبيبطلش رن بالساعات..عشان شغل / الوحشة / صوتي الرايح / الدموع اللي ببلعها / الابتسامة اللي بتطلع على وشي و انا بقول لنفسي ..مش هنموت،هنعيش/ تاكسي مشغل سيرة الحب بطول شارع الدقي الواقف / التخلي / الدفا اللي بشوفه فجأة في عينين كل الناس اللي معرفهاش ف الشارع/ البرد اللي ف ضلوعي / الكرسي اللي جنب الشباك ف آخر الميكروباص ع اليمين / طريق الفيوم ساعة المغربية / الاحلام اللي بتعدي علي .. و مترضاش تكمل / و الجمل اللي بتتشكل أول كلماتها .. و مترضاش تتم / عتاب الصحاب .. لما يفتكروا / التوهه / الآهه اللي مستنية حضن / الكلام الكتير اللي عايزة اقوله .. و مش بقوله / القرارات الكتير اللي باخدها .. و مش بعمل منها حاجة / الشغل اللي بيبقى فجأة اكتر م الوقت /الحاجة اللي بدور عليها .. و مش عارفاها..
..
المشاهد دي عارفاها .. عارفاها كويس
هي بتتعاد ؟؟
و لا هو الحنين ؟

ذات يوم سأكرس الكثير من الوقت ، إن لم يكن الوقت كله ... لعمل قائمة لا محدودة من الأشياء التي تستحق الندم عليها ، في هذا اليوم ، الذي لا أظنه سيتأخر كثيرا إذا سارت الحياة بنفس معدلاتها ، سأكتب بعكس الكثير من الناس ... أن أكثر ما أندم عليه في حياتي ... هي تلك الأشياء التي لم أفعلها ، بدون أي مبرر مرضي أو منطقي سوى التلكع ، و التعلل بالتأجيل و التفكير و انتظار لحظة ما ، بينما أعرف تماما ... أنه لا توجد هذه اللحظة .. ما .
عندها سأكتشف بشكل ساذج مكرر أني لا أفوت من الحياة شيئا .. سوى الحياة.

مندهشة حد الهيستيريا من كمية اللامبالاة المصاحبة لي هذه الأيام .. أحمد الله عليها أيضا ، وحده يعلم ما كنت سأصبح و أمسي فيه لولاها .. لولا الكثير .. الكثير .. الكثير منها.
أضحك كثيرا ، أضحك معظم اليوم ، لأتفه الأسباب ، أو بدون سبب .. لا يسألني عن حالي أحد إلا و أخبرته أني " قردة .. " ، أهرب من كل أشكال النقاش ، و أثق أن الجدال هو جحيمي ، فأهرب منه أيضا بذات هيستيرية الدهشة التي تعتنقني ، أُطمئن الجميع أن كل شئ على ما يرام لأن طاقتي لسماع النصائح و الاقتراحات استنفذت عن آخرها في أيام و أسابيع ماضية ، و لا يهدئني إلا ثقة مفاجآة لي شخصيا في حدسي و صدقه و اتجاهاته ، و يقين بأن الله لا يفعل لنا إلا الأشياء الطيبة ، حتى لو بدت لنا عكس ذلك ..
لست حزينة ، و لا مترددة ، و لا متحيرة ، و لا قلقة ، و لم أقبل أيضا شعوري التخلي أو أن أكون على أعتاب انكسارة .. فاستبعدتهما .. أو تجاهلتهما .. أو أنكرتهما .. لا فرق.
أعول كثيرا على الغد ، و لا أخشى إلا نفسي في زمرة لامبالاتها ..أن تؤذي أو تجرح أو تبطش بغير قصد و لا معنى.
في حلقي حرقان أعرفه ، و للمرة الأولى أشكر للمسافات الجغرافية حملها لكل من أحب بعيدا .. بعيدا .. ، لأن حضن دافئ واحد كفيل بأن أفقد كل هذا الكم من البرود و اللامبالاة المتعلقين بي و بتحريض البكاء الـمكتوم على خيانتي.
أنام – و يا للعجب – ببساطة ، نوم عميق و كثير ،و لا أتمنى في كل ليلة إلا أن أستيقظ بعد الكثير من الأيام أو الأسابيع أو الشهور حيث لا أثر لهذه الأيام الكابوسية الطبع .. أو لا أستيقظ أصلا.

من اول 2009 و لحد من كام يوم .. كانت المشاركة اكتر حاجة و يمكن الحاجة الوحيدة اللي محتاجاها .. اوي
It was all about... Verb (To share)
...
اليومين دول مش محتاجة اكتر من حد يسنـــدني .. من غير كلام و لا وعود و لا نصايح و لا اقتراحات و لا مواساة و لا شفقة و لا تعاطف و لا تقدير
...
حاسة لاول مرة ف حياتي اني عارفة اللي عايزاه و هعرف اتصرف لوحدي .... و واثقة ف ربنا اوي
..
انا بس خايفة و عايزة أحس اني مش لوحدي
و اني مش هتقسم
.

لا أعرف السبب تحديدا الذي جعلني أعود لأرشيف مايو العام الماضي في المدونة ، أيا كان هذا السبب .. فقد جعلني أكتشف أنه .. ما أبعد الليلة عن البارحة ، قبل سنة كاملة كتبت عن السودواية ، و عن قراري (الخِطِر) بالتحول إلى كائن سوداوي حانق حاقد حاسد غاضب ..و لتذهب البشرية كلها إلى الجحيم ، استطعت الآن أن أعرف لماذا ضحك كل من قرأ ما كتبت وقتئذ ، و أن أشعر بمنطقية التعليقات التي شعرت وقتها أنها تريد استفزازي ليس أكثر، و لماذا شعروا أن في الأمر حس فكاهي و روح للدعابة على الرغم من أني كنت أستشيط غضبا وقت كتابته .
اكتشفت خلال تلك الفترة (سنة) و بعد عِشرة و عيش و ملح معايا أني لست من ذوي القدرة على حبس الضيق و تخزينه ، و لست أيضا ممن يجيدون مراكمة الغضبة فوق الأخرى ، و العكرة طبقة بعد طبقة ، اعتبرت أن تحملي وحدي للضيق و الغضب بدون اقتسامهم مع أسبابهم بالبوح أو الانفجار ظلما شديدا لي ، يأتي على كل ما لدي من طاقة إيجابية ، و يفقدني بسرعة غريبة أبسط مبررات الرغبة في الابتهاج أو الحياة أصلا .. و يجعلني أتحول فجأة – على غرار المتحولون – إلى كائن شعنون – و دي حقيقة من الأول – أصب غضبي الغير مبرر بشكل كافي أصلا على من ليسوا سبب في الغضب ، و لا علاقة لهم به .. أو بي في مرات كثيرة .
أعرف أن أسرع ما يعكرني و يقلب مزاجي هي أشياء عادة بسيطة جدا ، شديدة الصغر و التقليدية ،غير مقصودة غالبا و غير منطقية لدى كثير من الناس ، ما لا و لم أستطع أن أعرفه .. اذا كانت أشياء بهذه البساطة قادرة على تعكير الحياة بهذا الشكل ...لماذا لا أجيد التخلص منها بنفس المقدار من البساطة ؟؟
تصورت أن الأمر ربما يكون بسيطا اذا رفعت شعار :" اللي يضايقني او يعكر جوايا حاجة ، ييجي يشيل اللي عمله ، او يقسمه معايا بالنص" ، كحل عادل يعيد إلي شئ من توازني ، و لا يظلمني ..
الذي يضايقني أيا كان، يستحق – جزاء على ما فعل – و أستحق أنا أيضا – إكراما لنفسي – أن أخبره فورا و صراحة و ببساطة شديدة و حتى بدون غضب .. اني اتضايقت ، معتبرة أن الضيق أصلا شعور إنساني وارد جدا و حق مكفول لكل كائن حي . لا أنكر أن القرار كان مجديا جدا و عادلا و منصفا جدا مع أكثر المقربين ، و مع بعض الغرباء أيضا ..، وصلت بي رغبتي في تطبيق القاعدة في أحد المرات إلى أن أذهب لصاحب "الكشك" المجاور لحيث أعمل ، و الذي اعتاد في فترة ما لعدة أيام متتالية كلما مررت من أمام الكشك أن يـ"بسبس" ( يعني يعمل بسسسس بسسسس .. زي اللي بتتعمل للقطط دي ) الأمر الذي كان يضايقني و يقززني و يستفزني، عدت إليه بعد الــ بسس، و بعد أن كنت قد دخلت العمارة بالفعل ، لأبتسم له في بساطة و برود و أخبره " انا مش بحب بسسست دي .. ممكن متقولهاليش تاني ؟؟ " ، اندهش الرجل و "تنح" ، و لم أزد كلمة ، طلبت منه كارت فودافون "بعشرة" ، و دخلت العمارة .. و لم يكررها أبدا ،و هو ما أندهشه حتى الآن للصدق .
رغم جدوى الفكرة أحيانا .. إلا أن بعض الناس أو فلنقل كثير من الناس .. الحقيقة أنه معظم الناس ... لديهم حساسية مفرطة من أن يُخبروا بأنهم قد ضايقوك ،حتى و لو أكدت مرارا أنك تعلم أنهم غالبا لا يقصدون ذلك و تفهم أنهم غير عامدين ،الأمر الذي يتحول بي فجأة من محاولاتي للتخفيف عن نفسي و إزاحة عبأ الضيق – البسيط الأسباب أصلا - و محاولة استرداد الطاقة الإيجابية ، إلى استنفاذ كل الطاقة .. لمصالحتهم و مراضاتهم أو حتى مجرد إسكاتهم بعد أن أتحول أنا للمذنب الأول و الأخير .. لأني اتضايقت .. أو لأني اتكلمت و قلت اني متضايقة .. أو لأني حاجة تانية هما عارفينها و أنا لا ...
و إلى هذه الكمية من البشر الذين لا يجيدون التعامل مع حق الآخر في الضيق و الغضب (منهم) و حقه في التعبير عن ذلك .. ربنا يسامحكم.
أوركــــيد أبيض Copyright © 2009 Flower Garden is Designed by Ipietoon for Tadpole's Notez Flower Image by Dapino