
توقفت السيارة على جنب الطريق ... فأسندت الأولى رأسها لمسند الرأس و أغمضت عينيها ...أما الأخرى فبدا عليها التوتر و بدأت تتلفت حولها في كل الاتجاهات و أطلقت أصوات زمجرة عالية .. و بدت كما لو كانت تتمتم بتعاويذ تصرف الغضب عندما مالت صاحبتها للأمام لتنظر للسماء و هي تكلمها :
- هل ترين هذا الطيف في السماء ذو اللون المائل للحمرة ؟؟؟
= تنظر للسماء بلا اهتمام ثم إلى صاحبتها في سخرية و تهكم
- ألا تظينين معي أنه يبدو شاذا في سماء تنذر بالمطر ... و تخاصمها الشمس ...
= مطر كمان ... هي ناقصة
- يذكرني لونه الممتد عبر سحابتين بتلك القلادة التي أهداها لي في لقاءنا عند انحناءة النهر للجنوب ... بجوار شجرتنا التي وجدنا صدفة عليها حروف اسمينا الأولى ..
= الكاوشت القدماني يمين فضي صح ؟
- كان يعرف حينها أني لا أحب اللون الأحمر - الذي صرت أعشقه فيما بعد - و رغم ذلك أهدانيها و قبلتها و فرحت بها
= و انتي كنتي عارفة انه الكاوشت فاضي و مع ذلك موقفتيش عشان نملاه قبل ما نطلع ؟؟
- لم يكن قد رأى فستاني المائلة بنفسجيته للحمرة أيضا ... و لم يكن يدري أن ياقته و أساور كمه المخملي لها نفس ألوان فصوص القلادة و أحجامها و نوعها ... بهرتني المصادفة في حد ذاتها إلى حد الاندهاش الصامت ... لم أخبره بهذ المصادفة ..
= هنلاقي منين احنا حد بتاع كاوشتات دلوقتي في الصحرا دي ...
- تعرفت إليه في أوائل الشتاء و افترقنا قبل أن يصل الربيع بأيام قليلة .. لم ير القلادة في عنقي أبدا ..فالشتاء يرتبط عندي بهذا الوشاح الصوفي المشرشب .. أحتفظ بكل ألوانه ... أحرص أن ألف رقبتي بما يتسق مع لون السماء كما أراها ...هل رأيت السماء يوما في لونها الأخضر ... أنا رأيتها مرارا ...
= انتي مستهترة ، و صوتك من دماغك ، مبتسمعينيش ، أو بتسمعيني و بتتجاهليني ، لو كنتي بتسمعي كلامي مكنش زماننا واقفين في الصحرا عشان حتة كاوشت فاضي.
-كنت أحب الفستان و القلادة ... غير أني كنت أراهما أكبر مني .. و أنضج ... و أنا كنت أراني - و لا زلت - فتاة لم تتجاوز بعد السابعة عشر ..
= كتير على اهمالك كمان ... بالكتير عشر سنين ، احنا حتى مش معانا كاوشت استبن ... يا مجنونة
- كنت أنوي أن ألبسهما ... الفستان و القلادة في يوم شم النسيم عندما يصطحبني للبحر لنضع اللمسات النهائية لقصرنا الرملي المهيب ... ترى كيف حاله قصرنا ؟ هل أتت عليه الأمواج ؟ هل أتاه سكان غيرنا ؟
= قدامنا ساعات الله أعلم اد ايه على ما يلاقينا حد في الصحرا دي ... و الله أعلم ساعتها اللي هيلاقينا هيرضى يدينا الكاوشت الاستبن بتاعه او يساعدنا نملا بتاعنا ... و لا مش هيعبرنا م الأصل ..
- كنت حتى بعد أن أتى الربيع و أوشك على الانتهاء ألبس قلادته سرا و أراقب رقبتي داخلها في المرآة ... لا أدري كيف أصبحت مولعة بها و باللون الأحمر إلى هذا الحد ...
= قطع رقبتك يا مستفزة .... بدل ما تقضيها مرايات كنتي افتكرتي نجيب كاوشت استبن مثلاً ... اف منك .. اف ... بجد بجد .... اف
- في بداية الصيف وجدتني أضع الفستان و القلادة كلاهما في صندوق نحاسي قديم ... لا ينتمي إليّ بل إلى عجوز في محرابه بالشارع المجاور فرغ سنوات عمره لحفظ الذكريات من العطن و إبعادها في الوقت نفسه عن مرامي العيون ... رأى أن حفظها لديه يفسح للمستقبل كي ينجلي .. و يعلن عن نفسه ... و أن رائحة الذكريات العطنة أيضا قادرة على تأخيره و تعطيله لأجل ما ...