
ليس من عادتي كتابة يومياتي .. و لكنني أظنني قادرة على حكيها بتفصيل و اسهاب ...لكن أن أكتب كل تفاصيل يومي تفصيلا دقيقا مفصلا ، بما يحمله من أفكاري الآلية و تقلباتي المزاجية و الأفكار العارضة و التلقائية .... لم أجرب هذا من قبل ، و تلح علي الرغبة لفعله اليوم بالذات ... و أنا اعرف لماذا ...
تقى أيقظتني في السابعة قبيل نزولها بدقائق ، كان يفترض بي النزول حوالي السابعة و النصف لأصل في العاشرة أو قبلها بدقائق ،دائما ما تكون دقائقي الأولى من الاستيقاظ مشوشة ، لا أذكر منها بالفعل شيئا ، أكاد لا أذكر كيف ارتديت ملابسي و جهزت حاجياتي بآلية متقنة و دون نقصان بهذه السرعة ، و لا أذكر ايضا أي شئ عن تفاصيل كل فترة المواصلات التي سبقت وصولي للجامعة ، و لكني أذكر جيدا أني كدت أصطدم بعامل جمع القمامة بعربته في الشارع اثناء مروري الشارع ... بسبب ميكروباص حال بيني و بين رؤيته ، فزعني الاصطدام الوشيك فابتسمت ابتسامة واسعة ضحك لها بدوره و أخذ يغني " يا صباح الخير ياللي معانا يا اللي معانا ..... " تجاوزته و انا أضحك منه و أقول لنفسي ( بصوت طبعا ) ... " يا بختك يا رايق " ، منحتني تصبيحته شئ من الابتهاج جعلتني اتجاوز المسافة حتى المبنى المقصود بابتسامة غير مبررة لكل من تلتقي عياه بي و أنا يراودني شبه يقين بأن كل من رأى هذه الابتسامة غير المبررة قال " ايه البت دي مالها ع الصبح كده " .... و انا أردد بدوري في سري " ايه انا حرة ... عايزة ابتسم .. براحتي الله "
عم بلال يقابلني على باب الاسانسير بتهليلة وجهه التي صرت أحبها أكثر من اي شئ في الكلية و يقول لي " واصلة بدري النهاردة النهاردة يا دكتورة ، و وشك منور و زي القمر " ، ندخل الاسانسير و معنا فتاتين و يطلب مني - كالعادة - أن اتفضل بالجلوس على كرسيه فأقول له - كالعادة أيضا - " مين فينا اللي يقعد يا راجل يا عجوز .. يا عجوز انت " ، فيبتسم و يقول لي " يعني انا اللي قلت للسنين تجري يا دكتورة " ، ثم يسألني " هروح اجيبلك النساكافيه بتاعك بسرعة قبل ما يوصل الدكتور " فأقول له " متتعبش نفسك يا عم بلال ، أنا هطلب من عم فوزي " فيرفع لي حاجبيه و هو يقول لي " انتي أغلى عند فوزي مني يعني ؟ " فأبتسم له و اخبره اني سأنتظر النيسكافيه في مكان كل مرة .
عم بلال يصر أن يناديني بدكتورة رغم اني لست دكتورة و يصر أن يخبر من يركب معي في الاسانسير أني سأصبح يوما رئيسة القسم رغم أني أطلعه في كل مرة أني لست حتى في أعضاء هيئة التدريس ليخبرني دائما " مفيش حاجة بعيدة على ربنا يا دكتورة " ، فأصدق على كلامه دائما .
من أجمل ما في عم بلال ....... أنه لا يعرف اسمي ... و يبدو ان حياء يمنعه من سؤالي عنه :)
أشرب النيسكافيه و أنا أقف في البنش الأول من مدرج الفرقة الرابعة التي أحضر معها هذه المحاضرة ، أزعم اني لم أحافظ على انتباهي مركز طوال محاضرة ما مثل هذه المحاضرة ، أنا أجلس بين يدي أستاذها و انا فخورة لأول مرة في حياتي باني طالبة علم و هو أستاذي ، أسرع 3 ساعات تمر علي في محاضرة كما اظن .
أخرج بعدها مع ليلى من المدرج ، أمامنا ساعة قبل المحاضرة التالية ، تسألني اذا كنت فطرت قبل ان انزل فأرد بأن طبعا لا ، فترغمني على شراء ما نأكله ،و لا تجد معها فكة فأضطر أن أدفع لها ، و أنا أتغاضى عن هذا لأنها لا تعلم سوء خلقي فيما يختص ب " الفلوس " ، لا تعلم بأني بقدر ما أكون " أسهل واحدة اصحابها يضحكوا عليها و ياخدوا فلوسها " من الممكن جدا أن أتناول عشائي وجبة أذرع " مدت ايديها على حاجتي " .... أسامحك يا ليلى لأنها مرتك الأولى معي ... و لأن ال 3 جنيه لازالوا حتى هذه اللحظة " مش فلوس اوي ... بس متسوقيش فيها يعني :) ".
نأكل و ليلى مكتئبة (بتشتغل من 4 شهور في وزارة الثقافة بعقد و مقبضتش و لا مليم ، و اكتشفوا أنهم مش محتاجينهم!!)
و انا أحاول قراءة فصل من الكتاب ربما أضطر لعرضه هذه المرة .. و أكتشف عن نفسي أني لم أقرأه من قبل !!
محاصرتي الثانية شهدت شتات يكفي محاضرتين معا ، أسرح تارة في رغبتي أن أتعرف على نقشة الدبلة في اصبع زميلتي التي تجلس أمامي ، أنتقل منها لدبلة زميلنا الذي يجلس بجوارها ، و أنا اتساءل " هي دي فضة ؟ " ، أنتقل بعدها لشرود في رسالة ماجستير على المكتب أمامي أكتشف أن العنوان لابد ان يكتب بالعربية و الانجليزية ، و أني لم ألحظ هذا في الرسالة التي أعددت لها عرضا ناقدا ، و تراودني رغبة ملحة ان أفتح شنطتي لأسترق النظر للرسالة التي معي لأتأكد أنه ينقصها العنوان بالاجليزية ، كل هذا فيما يتحدث أستاذي الذي لحظ بالطبع شرودي و قرر ان يحرجني بسؤال مبتسم " ايه القيم التلاتة ل (ف) في تحليل التباين " ، أبتسم له في حياء من كشفت فعلته و أجدني - سبحان الله - أجاوبه و سبحان الله اجابتي صح !!!
يبتسم لي في رضا ، فاتابع شرودي في أنه لابد أن هناك جزء من وعينا لا ندركه يعطي انتباها ما لما يحدث خارجنا ، أنا لا أستطيع أن استدعي اجابتي من نفسي ، لا أعرفها يقينا ، جزء مني سمع استاذي ربما يشرحها فيما كان الباقي مني شارد !!!
أجد على موبايلي 4 مكالمات لم يرد عليها من أرقام لا أعرفها ، و أنا أحب جدا الرد على الأرقام التي لا أعرفها ، رؤيتها على شاشة الموبيل تشعرني بالترقب ربما ، أو بانتظار مفاجأة ، أو امتنان لأن أحدهم افتقدني و لم يكن لديه رصيد و لم يستطع الانتظار فحدثني من الشارع ... شئ من هذا القبيل.
أحب فيروز على موبايلي و هي تغني " يا مرسال المراسيل ... " لتخبرني أن لدي رسالة جديدة ، أشعر معها بشئ من الحميمية و الفرحة ، فرحت لسماع صوت فيروز اليوم 5 مرات ، رغم أن أحدها كانت فودافوان تعلمني بعرضها السخي أن تقرضني ال3 جنيه اللعينة ... فليكن ... فودافون تهتم بي و أن ممتنة لها .
عند باب الجامعة أقابل علا و تسنيم من دفعة الفرقة الرابعة ، تناديني علا بيديها ، فأذهب إليهما ، تسألني تسمين " عندك تفاؤل الهاردة ؟ " فابتسم و انا أتظاهر بالتفكير و أقول لها " معايا كتير .. عايزة بكام ...". أستاذي الذي أراه عظيما يرونه شبحا مخيفا ، و أنا أعلم تماما أن نفس النظرة كانت لدي قبل التخرج و ان تفاعل مع العملية التعليمية الآن أصبح مختلفا يقينا ..و بشكل جذري ، تسنيم تقول لي " أنا فاشلة ... فاشلة .. " ، أبتسم و أنا أقول لها " اه فعلا انتي فاشلة " ، فتلمع عينيها على حافة البكاء ، فأغير وضعي و أقف في مواجهتهما احدى يدي تشير لعلا و الاخرى لتسنيم و أنا اقول لعلا " انتي شاطرة و هتعرفي تنجحي ..." و أقول لتسنيم " انتي فاشلة فاشلة فاشلة ..." أكررها 4 مرات أو 5... ثم أخبر تسنيم أن نبؤتها لنفسها ستتحقق بتكرار الرسالة التي ترسلها لنفسها... و كذلك علا ...نتناقش و اتركهما تبتسمان ، و أتذكر امتناني العظيم لكتابات جوديث بيك و آرون بيك ....
أركب ميكروباص للجيزة أجلس في الكنبة الأولى و محمد حماقي يغني " أنا أكتر م الدنيا أنا بحبك ...... " لها تأثير قوي علي هذه الأغنية بشكل أو بآخر ، في يدي نصف جنيه معدني ، أضعه بين سبابة و ابهام اليسرى فيما ألفه و أدوره بسبابة و ابهام اليمنى ، أقربه من وجهي و ابعده ، و أسطحه على يدي و انظر له بتمعن ، ثم أعاود لفه ، كل هذا فيما تكتمل العربة ، لينطلق من شارع مراد ، أنا أفضل شارع الجامعة لأنه يشعرني بأن الأمور على ما يرام ، يشعرني شارعمراد رغم حبي له بأنه ثمة أزمة في الأمر .
أنزل من الميكروباص و أنا أدندن " أنا أكتر م الدنيا أنا بحبك ...... " ثم أحرك شفتي و أنا أقول لنفسي " خليكي عاقلة ايه الهبل ده حد يغني في الشارع كده ... " ، تلمح فتاة حركة شفاهي فترفع لي أحد حاجبيها في استغراب ، فابتسم و انا اتجاوزها بايماءة قوية و سريعة للشاب الذي يسألني عن وجهتي .
أركب الميكروباص ،الكنبة الأخيرة الناحية اليمنى جوار الشباك ، مكاني المفضل ، أفتح الشباك ، و أراقب السماء و قد اختلطت فيها ألوان الليل بالنهار ، أتابع بشغف سحابة أستدل منها على قوة الرياح و أنا أتمنى في سري " لو كنت سحابة زيك ... " ، عند باب الميكروباص تقع عيني على شاب طويل ينظر إلي و على وجهه شبح ابتسامة ، أصرف نظري و أنا أظن أني نسيت فمي مفتوحا كعادتي فيما كنت أنظر للسماء ، و أني " كان شكلي اهبل جدا و يضحك ..." ، أعاود متابعة السحابة ثم أعود لوجه الشاب الطويل الذي لازال ينظر إلي ، هذه المرة أقول لنفسي " لا بقى أنا قافلة بقي في ايه ؟ ؟ " ، ألمح شئ ما في ابتسامته يذكرني أنه ..أنه .... كان زميلي في ثانوي ... و كنت أحبه !!
" هو كان اسمه ايه ؟؟؟ " ، لم تكن له في 2002 لحية و لا حتى انذار باحتمالات قريبة لظهورها و كان أقصر ربما ، تغير الوضع الآن كثيرا ... كثيرا جدا ... " هو كان اسمه ايه بجد ؟؟ "
أبقي على يقظتي طوال شارع الهرم و أنا أتابع في شغف الشارع كأني أراه للمرة الأولى ،بينما نقف في اشارة مرور عظيمة ممتدة و طوييييييييلة أرى فتاة مقطبة الجبين تزفر في ملل ، فأثبت عيني عليها قاصدة حتى تلحظني ، أبتسم لها ، و أخرج طرف لساني مع هزة من كتفي كأني أقول لها " مفيش حاجة تستاهل ... " ، ثم أضع سبابتي على جانبي شفتي و أشدهما مع نظرة آمرة مني أن " ابتسمي " ، تضع إحدى يديها على عينيها و هي تبتسم ابتسامة عريضة ثم ترفع يدها و هي تحرك شفتيها بلا صوت " حاضر " ، فأبتسم لها بدوري في رضا .أتذكر عنئذ شريكة الكفاح التي طالما طالبتني بأن أكف عن " التفاعل الحي المباشر مع الناس اللي في الشارع " لأني كده " اللي ميعرفكيش هيقول عليكي مجنونة يا مجنونة.. " .
عند ميدان الرماية السواق يفتح الراديو على ماتش الأهلي الذي أخذ كل الرجال في الميكروباص يتجادلون حوله ، ففضلت أن أنام ، و أنا أقيم دائما مدى حاجتي للنوم بمدى احتمالي لخبطات رأسي العنيفة جدا في الزجاج الذي أستند عليه ... كانت حاجتي للنوم اذا ملحة اليوم لأني نمت و بعمق ، استيقظ على رغبة مني في فتح الشباك فأجد الشاب الجالس أمامي يسند رأسه إلي فأشفق عليه من الازعاج و احاول تقدير عمره من الخلف .. أظنه لا يتجاوز الثامنة عشر ، ثم أفكر في شفقتي على السواق من تنظيف الزجاج مكان رأس الفتى الملغم بالجيل ، و أتذكر رباب و أسأل نفسي " هي ليه مش بتحب أحمد زميلها اللي معجب بيها ... عشان فعلا بيلبس بنطلونات كلاسيك و مش بيحط جيل في شعره ؟ " ثم أتذكر ملابسات تعرفي برباب و أسألني من جديد " هو في حد بيفكر بالطريقة دي فعلا ؟؟؟ "
تتصل بي ماما لتطلب مني طلبات أحضرها معي و أرد عليها بشرود فيما اتابع 4 نخلات يخرجن من جذر واحد ، ثم اتابع نجمة في السماء تذكرني بميلاد القمر أول هذا الشهر و كيف أنه كان لي معه حديثا طويلا ... وددت لو أحكيه له ..
أصل و أجدني أشتري ما طلبته ماما و انا اعيد الشكر و الامتنان لهذا الجزء غير الواعي منا الذي يقوم بالانتباه فيما نتمتع نحن بالشرود و السرحان الذي اتابعه في التاكسي الذي أنسى ان أصف له المكان فيقف بي فجأة ليسألني " شمال و لا يمين يا أبلة ..؟ "
أدخل المنزل و انا أصرخ - كالعادة - " انا جعاااااااااناااااااااااااااااة " ...و أجلس هنا بطبقي و أبدأ بشغف ..ثم أفقد شهيتي فجأة . . و تنصرف عني رغبتي في الأكل ....
أقرر أن أكتب يومي ، فيما يبقى ظل ما يتابع أيامي بشكل مواز .. مشكل على هيئة علامة استفهام كبييييييييييرة جدا ..
و يبقى في ذهني فكرة و تساءل ...
أتساءل عن ماتش الاهلي ... كان مع مين و على ايه ... و مين اللي فاز ... لاني كنت نايمة
و أفكر في أن أميرة التفاصيل كانت تتحمل مني - المسكينة - الكثير ... و كنت اتمادى انا في استغلال أذنها الكريمة .